الشيخ محمد النهاوندي

536

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وَأَطِيعُونِ في أمري . فلمّا سمع قومه دعوته قالُوا له إنكارا عليه : أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ نتّبعك في قولك ، والحال أنّه اتَّبَعَكَ الفقراء الْأَرْذَلُونَ والسّفلة الأدنون جاها ومالا ونسبا فإنّ إيمانهم لا يكون عن نظر وبصيرة لعدم رزانة عقلهم ومتانة رأيهم ، بل نظرهم إلى جلب المال وتحصيل الجاه ، فهم في الباطن كافرون بك ، لا ينبغي لنا أن نجعل أنفسنا في رديفهم . قيل : كانوا من أهل الصناعات الخسيسة « 1 » . وقيل : إنّهم كانوا حجّاما « 2 » . وعن ابن عباس : كانوا حائكين « 3 » . قالَ : نوح عليه السّلام في جوابهم : ما إحاطتي وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من إيمانهم الحقيقي بربي ، وإقرارهم القلبي برسالتي ، ومالي إطّلاع على خلوصهم في الايمان أو نفاقهم ، وليس عليّ التفتيش عن باطنهم وشقّ قلوبهم ، بل عليّ الاكتفاء والاعتبار بظاهر إقرارهم إِنْ حِسابُهُمْ ومؤاخذتهم على بواطنهم وسرائرهم إِلَّا عَلى عهدة رَبِّي المطّلع على البواطن والسرائر ، العالم بالخفيات ، وأنتم لَوْ تَشْعُرُونَ وتدركون المطالب الواضحة لشعرتم صحّة قولي ، وأدركتم صدق خبري ، ولكنكم تجهلون وتقولون ما لا تعلمون . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 114 إلى 122 ] وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 115 ) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 ) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ( 120 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 122 ) ثمّ لمّا كان في قدح أتباعه إيهام توقّع طردهم عن مجالسه وإبعادهم عن حوله ، قطع طمعهم هذا بقوله : وَما أَنَا بِطارِدِ هؤلاء الْمُؤْمِنِينَ ومبعدهم عن حولي ومجلسي ، ولا يمكنني موافقتكم في ما تتوقّعون منّي من الاعراض عمّن أقبل على ربي ، لأنّه خلاف وظيفتي إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وما أنا إلّا رسول مبعوث لتخويف الناس من العذاب على الكفر باللّه وعصيانه مُبِينٌ ومتظاهر بالانذار ، أو موضح لما أرسلت به سواء كانوا أعزاء أو أذلاء ، أغنياء أو فقراء ، بل وظيفتي تقريب من قبل قولي ودعوى رسالتي ، وآمن بربي ، فلمّا عجزوا عن معارضته بالحجة أخذوا في تهديده و قالُوا لَئِنْ لَمْ

--> ( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 24 : 155 . ( 3 ) . تفسير القرطبي 9 : 24 .